الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
100
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
فتلخص من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل لنا في أبواب صيغ العقود غير اعتبار إنشائها بألفاظ ظاهرة في أداء المقصود ظهورا عرفيا ، سواء كان بنفس عناوينها أو بغيرها ، وسواء كان بألفاظ حقيقة أو مجازية ، واللّه العالم . وممّا يؤيد قويا جواز الاعتماد على القرائن الحالية ، نفس الإنشاء بالفعل الماضي أو المضارع ، فإنّهما وضعا أولا وبالذات للإخبار ، واستعمالها في الإنشاء أيضا وإن كان بعنوان الحقيقة ، لكثرة استعمالهما في ذلك حتى بلغا حدّ الحقيقة ، ولكن كون المتكلم في مقام الإنشاء أو الإخبار لا يعلم إلّا بقرائن الحال ، فالاعتماد على القرائن الحالية ممكن في الجملة . ويؤيده أيضا أنّ النكاح الذي هو أشد من جميع العقود في دائرة اهتمام الشارع ينشأ بألفاظ كنائية مشتملة على القرائن الحالية أو المقالية ، فإنّ لفظ التمتع من الكنايات قطعا ، بل الزواج والنكاح أيضا ، في الأصل وضعا لمعان اخر ، ولو سلم نقل النكاح عن معناه الأصلي ( وهو مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه ) لا نسلم ذلك في « التمتع » و « الزواج » فإنّ الأول لمطلق الانتفاع بشيء ، والثاني لمطلق المقاربة بين شيئين ، إلّا أنّهما إذا ذكرا في مقام خاص يعلم بالقرائن هذا العقد المعين ، كما أنّ الألفاظ المستعملة في معنى الجماع كلها كنايات كما لا يخفى . المقام الثاني : الألفاظ الخاصة لإنشاء البيع وإذ عرفت الأصل الكلي في هذا المقام ، فلنعد إلى عدّ ما ذكروه من الألفاظ الخاصة لإنشاء البيع أو الشراء فنقول ( ومنه سبحانه نستمد التوفيق والهداية ) : قبل كلّ شيء لا بدّ من التنبيه على أمر ، وهو أنّ الظاهر في بادي النظر عدم كون تعيين هذه الألفاظ من وظائف الفقيه ، لأنّ ذلك من الموضوعات ، ووظيفة الفقيه بيان أحكام الشرع . وإن شئت قلت : إنّه بعد كون الحكم الشرعي هنا ، الاكتفاء بكل ما هو ظاهر في أداء المقصود من الألفاظ ، يرجع إلى العرف في تشخيصها ، وهذا أمر يفهمه المقلدون وليس الفقيه بأعرف من المقلد فيها ، فلما ذا وقع هذا الكلام الطويل في تعيين هذه الألفاظ ؟